ابن إدريس الحلي
173
السرائر
ولزومها ، فهذا الضرب من الهبة الذي لا يجوز بعد القبض الرجوع فيها بحال . فأما ذو الرحم غير الولد ، فبعض أصحابنا يجريه مجرى الولد الأكبر ، ويذهب إلى أنه لا يجوز للواهب الرجوع في الهبة بعد إقباضها إياه ، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في نهايته ( 1 ) ، وبعض يذهب إلى أن له الرجوع بعد القبض ، ويجريه مجرى الأجنبي ، وهو الذي يذهب إليه شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه ( 2 ) ، وهو الذي يقوى في نفسي . فأما الضرب الذي يجوز له الرجوع في الهبة بعد الإقباض ، فهي الهبة للأجنبي ، ولذي الرحم غير الولد ، على الأظهر الأصح عند أصحابنا ، فإذا وهب الأجنبي ، وقبضه إياها ، فللواهب الرجوع فيها ما لم يضف الموهوب له إلى القبض أحد ثلاثة أشياء ، إما أن يعوض عنها الواهب ، سواء كان العوض مثلها ، أو أقل منها ، أو أكثر ، أو يتصرف فيها ، أو تستهلك عينها ، فمتى أضاف إلى القبض أحد الثلاثة الأشياء ، فلا يجوز للواهب الرجوع فيها بحال ، لقوله تعالى " أوفوا بالعقود " ( 3 ) وهذا عقد يجب الوفاء به ، وما عدا هذا الموضع مما يجوز للواهب الرجوع في هبته ، أخرجناه بدليل ، وهو الإجماع من أصحابنا . فإذا تقرر هذا ، فهي من العقود الجايزة ، يحتاج إلى إيجاب وقبول . ومن شرط لزومها الإقباض ، وذهب الأكثرون من أصحابنا ، إلى أن من شرط انعقادها وصحته الإقباض بإذن الواهب ( 4 ) ، فمتى قبضها الموهوب له بغير إذن الواهب ، كان القبض فاسدا . ويكره أن يرجع الإنسان فيما يهبه لزوجته ، وكذلك يكره للمرأة الرجوع فيما تهبه لزوجها . وقد قلنا ( 5 ) إنه لا يجوز للإنسان أن يرجع فيما يهبه لوجه الله تعالى بعد الإقباض على حال ، وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته ، وما تصدق الإنسان به لوجه الله ، فلا يجوز له أن يعود إليه بالبيع والهبة والشراء ، فإن رجع إليه بالميراث كان جايزا ( 6 ) .
--> ( 1 ) النهاية : كتاب الوقوف والصدقات ، باب النحل والهبة . ( 2 ) الخلاف ، كتاب الهبة ، مسألة 12 . ( 3 ) سورة المائدة ، الآية 1 . ( 4 ) ج . وصحة الإقباض إذن . ( 5 ) في ص 172 . ( 6 ) النهاية ، كتاب الوقوف والصدقات ، باب بالنحل والهبة .